النشرةشؤون اقليمية

“السعودية” تتشدّد في تعاملها مع لبنان

مرآة الجزيرة

يتجلّى تمايز سياسات الإمارات عن “السعودية” تجاه دول المنطقة، والسبب أن الأولى أدركت بقراءةٍ واقعيّة نتائج سياساتها الخارجية، الأمر الذي دفعها إلى كبح جماح عدائها في دولة ما وتقاربها من دولة أخرى، بهدف الحفاظ على مصالحها الاقتصاديّة مع هذه الدول، في حين أن “السعودية” لم تزل تمضي قدماً بنفس وتيرة العداء تجاه دول المنطقة وبالأخص سوريا ولبنان وإيران والعراق متجاهلةً التغيّرات السياسية العالمية التي تفرض دوزنت العلاقات مع الدول الآنفة الذكر.

وفي مقالٍ نشرته صحيفة “الأخبار” اللبنانيّة، بيّنت الكاتبة ميسم رزق أن الإمارات تضمر سياسة متمايزة عن “السعودية” حيال لبنان رغم أنها عملت على مجاراتها قليلاً في ملف أزمة قرداحي، حفاظاً على مصالحها الإقتصادية في لبنان، لا سيما إن كانت تتعلق بقطاع النفط والغاز، مع ما يُحكى عن إمكانية دخول شركات إماراتية على الخط ربطاً بملف ترسيم الحدود البحرية جنوباً مع فلسطين المحتلة. في الوقت الذي تذهب فيه الرياض إلى منحى أكثر تشدّداً ما “يجعل التعويل على الدور المصري وزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مبالغاً فيه”، وفق الكاتبة.

بينما ينتظر الجميع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرياض بداية الشهر المقبل، ويراقب آخرون تحرّكات واجتماعات غير علنيّة تجرى في القاهرة، على أن تساهم هذه الزيارات بتخفيف حدّة التصعيد السعودي تجاه لبنان، إلا أن هذا الأمر ليس واقعياً بحسب شخصيات على تواصل مع المسؤولين السعوديين الذين يتحدثون عن مشكلة أولى بين وليّ العهد محمد بن سلمان وماكرون نفسه، وهي مشكلة تحتاج الى علاج قبل أن يتحوّل ماكرون الى وسيط بين السعودية ولبنان، بحسب الكاتبة. ذلك أن التسريبات الواردة من الرياض تُفيد بأن “الموقف السعودي لم يتبدّل” فيما نُقِل عن مسؤولين فرنسيين زاروا العاصمة السعودية تحضيراً لزيارة ماكرون، أنهم فوجئوا بـ”رفض سعودي مطلق للبحث في الملف اللبناني”. كما توافرت معلومات لدى جهات لبنانية على اتصال بالسعوديين تؤكد أن العنوان المقبل للسياسة السعودية هو “القرار 1559” والتركيز على نزع سلاح حزب الله.

مؤشرات تشدّد الموقف السعودي تجاه لبنان تختصرها رزق في التالي: “أولاً، فشل المحاولات السعودية في الأشهر الماضية في فرض وقائع ميدانية في اليمن تعطيها حصة من التسوية في المنطقة. وبالتالي فإنها لن تبيع الورقة اللبنانية بأبخس الأثمان. ثانياً، أصبحَ السعوديون أكثر توتراً بعد الموقف اللبناني من التصعيد الخليجي. إذ لم تتوقّع الرياض تعاملاً لبنانياً متماسكاً. صحيح أن هذا الموقف حمَل حرصاً على العلاقة مع دول الخليج، لكنه بقي حازماً. وبالتالي، فإن تلمّس السعوديين فقدانهم جزءاً من هيبتهم على الساحة اللبنانية يشعرهم بأن عليهم التشدّد أكثر”.

المؤشّر الثالث وهو الأهم، يتعلّق بالإمارات، إذ يبدو واضحاً أن أبو ظبي والرياض تختلفان في طبيعة عملهما على ملفات شائكة مثل اليمن وسوريا. وبرأي رزق، “صحيح أن الإمارات لن تدخل في مواجهة مع السعودية، وهي تقف الى جانبها في الموقف من الأزمة اللبنانية، إلا أن ذلِك لا يخفي أن للإمارات مشروعاً مختلفاً، حيث تظهر واقعية تعكس فشل رهاناتها السابقة، وهي تحاول فتح صفحة جديدة، سواء مع سوريا، التي زارها أخيراً وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، وإيران، التي أعلن وزير خارجيتها عن اتفاق على فتح صفحة جديدة بين البلدين عقبَ لقاءات بينَ مسؤوليها، فضلاً عن تركيا التي تقاطعت مصالحها مع استئناف العلاقة مع الإمارات برغم الخلاف الكبير بين الجانبين حول “الإخوان المسلمين”.

كذلك تتّجه الإمارات “لإطلاق استثمارات في تركيا وتوقيع اتفاقيات في عدّة مجالات. أضف الى ذلك الانزعاج شبه العلني من جانب الرياض بانفراد الإمارات الدخول في مشروع الماء مقابل الكهرباء مع الأردن والكيان الصهيوني، بشكل أثار حفيظة الرياض التي أعلنت قبل شهر عن مبادرة الشرق الأوسط الأخضر من ضمن رؤية المملكة 2030 للبيئة والتنمية المستدامة”.

كل ذلك يدفع للتساؤل عن السبب الذي دفع الإمارات لمجاراة “السعودية” عقب تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي، واتخاذها إجراءات ضد لبنان تضامناً مع “السعودية”، كما أنها سبق وسايرت الرياض خلال أزمتها مع رئيس الحكومة السابق سعد الحريري. وتفسّر الكاتبة هذا الأمر بالقول إن “المصالح الإماراتية في لبنان تستدعي من (الإماراتيين) عدم الذهاب بعيداً في معاداة لبنان، فـأهم دافع لدخول الإمارات على الساحة اللبنانية هو الدافع الاقتصادي، وهي تعلَم أن مشاريعها تحتاج الى ترتيب الجو المؤاتي، ولا سيما إن كانت تتعلق بقطاع النفط والغاز، مع ما يُحكى عن إمكانية دخول شركات إماراتية على الخط ربطاً بملف ترسيم الحدود البحرية جنوباً مع فلسطين المحتلة”.

وفي أعقاب انتشار فيديو للوزير قرداحي عن الحرب السعودية العبثية في اليمن، تأزّمت العلاقات السعودية اللبنانية إلى حدّ غير مسبوق، رغم أن التصريح قديم وقد أُطلق قبل أن يكون قرداحي وزيراً للإعلام. الإجراءات السعودية ضد لبنان شملت إيقاف التبادل التجاري وسحب السفير السعودي من بيروت وطرد نظيره من الرياض، كما امتد الأمر إلى دول خليجية خريجية أخرى (البحرين، الكويت، الإمارات) لتحذو حذو “السعودية”.

كما قرّرت “السعودية” وقف “كافة الواردات اللبنانية إلى المملكة”، وأشارت إلى أنها ستتخذ “عدداً من الإجراءات الأخرى” لتحقيق هدف “حماية أمن المملكة وشعبها، مؤكدةً قرارها السابق بخصوص “منع سفر المواطنين إلى لبنان”، بحسب بيانٍ نشرته وكالة الأنباء السعودية (واس).

وقد ادّعت “السعودية”، في معرض تبرير تصعيدها أن لبنان لم يتّخذ الإجراءات التي طالبت بها الرياض لوقف تصدير آفة المخدرات من لبنان من خلال الصادرات اللبنانية إلى “السعودية”، لا سيما في ظلّ ما وصفته “سيطرة حزب الله الإرهابي على كافة المنافذ، وكذلك عدم اتخاذ العقوبات بحقّ المتورطين في تلك الجرائم التي تستهدف أبناء شعب المملكة العربية السعودية، وعدم التعاون في تسليم المطلوبين للمملكة، بما يخالف اتفاقية الرياض للتعاون القضائي”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى