ــالنشرةدراسات وبحوث

“داعش.. من النّجدي إلى البغدادي: نوستالجيا الخلافة”: التأسيس الثاني للوهابية الأولى (الحلقة ٣)

مرآة الجزيرة

عملت “السعودية” على خلق جبهة مضادّة للثورة الإسلامية في إيران التي انتصرت عام 1979 وامتدت أثارها لتنال كافة العالم الإسلامي بل العام بأكمله، لما كان لهذه الثورة من تجسيد واضح لانتصار النضال الشعبي على حكم ملكي دام لأكثر من ألفي عام، ثم أطاح به الشعب، وهو ما تتوق له معظم شعوب العالم التي تعايش ظلم الأنظمة الإستبدادية على غرار النظام السعودي.

ليس هناك غرابةً من إقدام “السعودية” على محاربة آثار الثورة الإسلامية بعد انتصارها وصدّ تمدّدها بأدواتٍ مضادة اخترعتها لتوجّه دفّة المعركة نحو اتجاه آخر. لم ترغب الرياض أن تداعب روح الثورة في الجارة الفارسية صدور الأهالي في الجزيرة العربية الذين يدركون جيداً أصول النظام السعودي الذي انتزع أرضهم وإرثهم وتاريخهم ووهبها لعائلة واحدة تجسّد فيها حكم البلاد دون أي حق يذكر. هذا ما يتناوله عضو الهيئة القيادية لحركة “خلاص” د. فؤاد إبراهيم في كتابه الذي صدر عن مركز الدراسات والأبحاث “أوال” بعنوان: “داعش.. من النّجدي إلى البغدادي: نوستالجيا الخلافة”، عام 2015.

التأسيس الفكري للسلفيّة الوهابيّة

في الكتاب الذي يمتدّ على ستّة فصول، يخصّص الكاتب الفصل الثالث للحديث عن أسباب تشكيل الوهابية في “السعودية”، المسار الذي أخذته”، دور تيار الصحوة الذي دخل إليها، والنتيجة التي أعقبت دخول الصحوة إلى الوهابية. يعزو إبراهيم تشكّل تيار ديني في المجتمع الوهابي إلى مطلع الثمانينات من القرن الماضي حين قرّر الملك فهد مواجهة المد الثوري الإيراني عن طريق الإفساح في المجال أمام الوهابية كي تنهض مجدداً وتغمر الفضاء العام. وكنتيجة انتقلت الوهابية من مجرد كونها ممارسة فردية إحتى نهاية السبعينات من القرن الماضي إلى ظاهرة شعبية في أوائل الثمانينات لها تمظهاراتها في الشارع، حيث بدأت تظهر ظاهرة اللحى الطويلة، والثوب القصير، والمطويات الدينية، والمخيمات الدعوية فيما ازدادات الجرعة الدينية في مناهج التعليم الحكومية بنسبة الثلث. في موازاة ذلك، خصّصت السلطات السعودية ميزانية ضخمة لناحية تحصين الداخل إزاء تأثيرات الثورة الإسلامية التي فرضت نفسها على العالم بأسره في إطار الترويج للعقيدة الوهابية حول العالم. وفي السياق، يذكر ألكس ألكسيف الخبير في شؤون الإرهاب أن الرياض أنفقت 70 مليار دولار بين عامي 1991 و2002 بصفة مساعدات للخارج دون احتساب الهبات الخاصة. أما السيناتور الديمقراطي تشارلز شومر من ولاية نيويورك فيعلق على ذلك بالقول: “بفضل هذا التمويل “يمتد نفوذ الحركة الوهابية إلى الولايات المتحدة ويدخل حتى إلى المنظمات الإسلامية الكبرى في البلاد والمدارس والجيش”.

من جهته السفير الأميركي في كوستاريكا كيرتن ويندزور، يرى في دراسة بعنوان: “السعودية، الوهابية وانتشار الفاشية اللاهوتية السنية”، أن الوهابيّة كانت مقتصرة على الجزيرة العربية حتة ستينيّات القرن الماضي ولكن تطوّرات لاحقة حصلت مثل الطفرة النفطيّة والتحدّيات التي واجهتها السعودية من الناصرية وتالياً الثورة الإيرانيّة وانخراطها الإيديولوجي والسياسي في الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي. وهنا، يقول السفير ويندزور إن “السعودية” أتفقت على الأقل 87 مليار دولار لنشر الوهابيّة في الخارج خلال العقدين الماضيين، وأن وتيرة الإنفاق في السنوات الماضية (2005 – 2007)، قد بلغت معدلات قياسيّة. وفي الغالب، تنفق هذه الأموال على البناء والموازنة التشغيلية للمساجد والمدارس والمؤسسات الدينية الأخرى لنشر الوهابيّة، كما يتم دعم تدريب الأئمة والهيمنة على وسائل الاتصال الجماهيرية ووسائل النشر وتوزيع الكتب المدرسيّة الوهابيّة وأدبيات أخرى، والأوقاف للجماعات (في مقابل التأثير على تعيين علماء الدين). يقارن ويندزور بين الانفاق السعودي على نشر الوهابيّة مع انفاق الحزب الشيوعي السوفيياتي خلال الفترة ما بين 1921 – 1991 والذي يربوا قليلاً عن 7 مليار دولار.

يلفت الباحث السياسي في هذا الإطار إلى أن الوهابيّة عادت إلى الشارع مجدداً، في عهد الملك فهد، فرغم معارضته الشخصيّة للتوجّهات الدينية عموماً لم يخرجها من إطارها المذهبي الدعوي المحض. ولكن تحويل الوهابيّة إلى تيار شعبي ساهم في خلق بيئة حاضنة لحركة سياسية وظّفت شبكة المؤسسات الثقافية والمراكز الدعوية والمساجد المنتشرة في أرجاء العالم بأموال الدولة للترويج لأفكارها ورموزها لكن حينذاك تنطوي على مخاطر على نظام الحكم السعودي.

العامل الإخواني في الحراك الصحوي

لكثرة الحديث عن تأثير الإخوان المسلمين على مشايخ الصحوة، يتناول إبراهيم تجربة الجماعة منذ هجرة عدد من قياداتها إلى “السعودية” في الستينيات من القرن الماضي في سياق الصراع السياسي بين الزعيم جمال عبد الناصر والملك فيصل. ويجد أنه رغم تأثّر الإخوان المسلمين بالسلفيّة الوهابيّة نتيجة المعايشة الطويلة معها في ظل بيئة مغلقة وتوجيه ثقافي صارم إلا أن الإخوان مثّلوا في “السعودية” على نحو ما “تياراً إسلاميّاً لا يعاني مشاكل مع التحديث السريع في الدولة التي باشر الملك فيصل بناءها على خلاف التشدّد الوهابي الذي كان يرفض الآخر الأجنبي بكل أشكاله”. وقد عزّز ذلك موقع الإخوان بفعل ولوجهم قلب المشروع التحديثي الذي بدأه الملك فيصل منذ أواخر الستينيّات بحيث تمدّد الوجود الإخواني في معظم الجامعات السعودية التي تأسّست غالبيتها في هذه الفترة.

ويضيف أنه ثمّة من يجادل بأن كتابات سيد قطب ومنير الغضبان ومحمد قطب ومحمد سرور زين العابدين شكّلت مصادر ثقافيّة رئيسية لدى التيار الصحوي السعودي برغم التزامه المبدئي والتام بالعقيدة الوهابية كما يظهر في خطابات المشايخ وبياناتهم. وفي التفاصيل، أن الشيخ محمد سرور زين العابدين بعد انتقاله إلى بريطانيا وإصداره مجلة “السنّة” من مدينة برمنجهام، طوّر خطاباً جهاديّاً راديكاليّاً في بداية التسعينات بالتزامن مع “الفورة” الصحويّة التي انطلقت في الرياض ثم انتقلت إلى مناطق أخرى من “السعودية”، فكان سلمان العودة يخطب في بريدة وعايض القرني في أبها، وسفر الحوالي وناصر العمر في جدّة وسعد البريك في الرياض وعادل الكلباني في الدمّام، بحسب الكاتب.

لكن أدبيّات الصحوة كما يرى المؤلف، لم تزوّدنا بمعطيات متينة حول تأثيرات فكريّة لجماعة الإخوان المسلمين بل على العكس تماماً فإن كل ما قدّمه شيوخ الصحوة له جذور راسخة في العقيدة الوهابية الأصلية. مثلاً، تشي الردود التي كتبها مشايخ الوهابيّة ومن بينهم مشايخ الصحوة على طروحات رموز فكرية مقرّبة من الإخوان المسلمين، فلم تحدث النزعة الحركية والثوريّة لدى مشايخ الصحوة أدنى تغيير في جلب العقيدة التي بقيت متماسكة وراديكاليّة كما لم تؤسّس تلك النزعة لرؤى سياسية متطوّرة، بكلمات أخرى إن المباحث في شقّيها العقدي والفقهي كما قاربها التيار الصحوي كانت تقليدية وعقيمة.

الصحوة الوهابيّة

كان خطاب الصحوة وهابيّاً خالصاً وجهاديّاً وتكفيريّاً وفق المؤلف الذي ذكر على سبيل المثال سلمان العودة الذي يمدّنا في محاضرته “حيّ على الجهاد” بأدلّة قوية على التزامه الصارم بالخطّ الوهابيّ الأصلي. وفي مقطع بالغ الدلالة يقول: “أصبح كثيراً، لا أقول من عامة الناس، بل دعاة الإسلام مع الأسف في هذا العصر، يتصوّرون أنا في دعوتنا الناس جميعاً للإسلام ينبغي أن نسلك إلا هذا الطريق ولا نحتاج إلى رفع راية الجهاد ولا نحتاج إلى حمل السيوف للقتال..”. وفي مقطع آخر يقول: “نرى كثيراً منهم يجهلون وجوب عداوة الكفّار والبراءة منهم فلا يعرفون الولاء والبراء بل قد تجد المسلم يعيش إلى جنب اليهودي والنصراني والمشرك والشيوعي سواءً بسواء، وتحت سقفٍ واحدٍ، يأكلون طعاماً واحداً ويعملون في عمل واحد وبينهم الألفة والمودّة والشيء العظيم كأنهم إخوة”.

وفي ذات السياق، يقول سفر الحوالي: “وقد وفق الله تعالى هذه الصحوة الممتدّة المباركة لبدء الطريق من أوّله والبناء من أساسه والإقبال على تصحيح العقيدة وتقويم المسار وربط كل قضيّة مهما صغرت بأصل الدين والإيمان وحقيقة العبوديّة، فبان لها سبيل الولاء والبراء وظهر لها كيد المنافقين وأهل الكتاب في الأصل والجملة وأصبح لزاماً على من تصدّر لتذكيرها بأيام الله وتبصيرها بدين الله أن يبيّنوا لها من المعالم ما هو أكثر تفصيلاً وأبين قيلاً”.

مشكلة التيار الصحوي أنه لم يطوّر خطاباً إسلاميّاً تنويريّاً، وفي حقيقة الأمر لم يكن مؤهلاً لذلك، فالموضوعات العقدية التي اشتغل بها مشايخ الصحوة كانت تقليدية محضة، مثل الارجاء، الطائفة المنصورة، الولاء والبراء. أما الموضوعات الحديثة التي قاربها التيار مثل العلمانيّة، الحداثة، الليبراليّة، والمدنية والمرأة فكانت مثيرة للشفقة من حيث استيعابها بدقّة وبصورة صحيحة من مصادرها وليس عبر إما ترجمات مشوّهة وانتقائية أو قراءات مؤدلجة. وينسحب ذلك على مقاربات مشايخ الصحوة لعقائد خصومهم مثل الأشاعرة والصوفيّة والشيعة والتي غالباً ما تأتي في سياق سلبي وتشويهي وإن أقصى ما يقال عن هذا النوع من القراءات أنها غير حياديّة.

الكتابات النقديّة التي قدّمها مشايخ الصحوة أعادت إنتاج خطاب جهيمان العتيبي ولكن بلغة جديدة ومتينة. بيد أنه من الضروري إلفات الإنتباه إلى أن التيار الصحوي قد لا يكون تبنّى الخيار الجهادي العسكري في التغيير، ولم يحمل السلاح في وجه الدولة، بالطريقة التي كانت عليها حركة جهيمان العتيبي ولكن من راقب خطابات الصحويين في فترة التسعينات أدرك أنهم أسّسوا لمشروع ثورة حقيقيّة وهكذا فسّرها غازي القصيبي في كتابه “حتى لا تكون فتنة”. وبالرغم من الإيحاءات المضلّلة التي تتركها “مذكرة النصيحة” كونها محاولة إصلاحية من الداخل أي من داخل الدولة وليس خروجاً عليها، فإن محتويات المذكّرة تنزع المشروعيّة الدينية والتاريخية للدولة السعودية، ولو قُدّر لها أن تصدر في مرحلة مبكرة، أي في ذروة النشاط الصحوي وقبل إعلان الملك فهد “النظام الأساسي للحكم، مجلس الشورى، مجلس المناطق”، في مارس 1992 وقبل تحرّك أعضاء هيئة كبار العلماء ومن بينهم المفتي السابق الشيخ عبد العزيز بن باز وابن عثيمين لتطويق تداعيات الحراك الصحوي.

الانقلاب والعقاب

تعرّض التيار الصحوي في منتصف السبعينات إلى ضربة قاصمة أدّت إلى توقّف نشاطه بعد اعتقال رموزه وإرغامهم على التوقيع على تعهّدات خطيّة بعدم المشاركة في أي نشاط سياسي فيما تم احتواء بعضهم في مؤسسات الدولة، ولكن الإرث الفكري والاحتجاجي لمشايخ الصحوة انتقل إلى “القاعدة” الذي تفاعل معه وأدمجه في خطابه السياسي وآلته الإعلامية والتحريضيّة. بالعودة إلى أدبيّات “القاعدة” سوف يظهر أن الحركة الصحويّة خصوصاً ما يتعلّق منها “بالسعودية”، شكّلت الخلفية الفكرية والسياسية لتنظيمات السلفية الجهادية في الجزيرة العربية المرتبطة بـ”القاعدة” واندغمت بصورة تلقائيّة وسلسة في البنية الأيديولوجية لدى “داعش”. فيما شكّل التراث الصحوي الشفهي والمكتوب الخلفية الفكرية التي استندت إليها تنظيمات السلفية الجهادية بما فيها “القاعدة” و”داعش”، ولو قدّر لمشايخ الصحوة البقاء على القناعات السابقة التي تشكّلت وشاعت في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي ولم يتماهوا مع السلطة في مرحلة ما بعد السجن ولم يجر بعضهم مراجعات لأفكارهم السابقة لكانوا هم أنفسهم رموزاً للسلفية الجهادية أي لتنظيمات “القاعدة” و”داعش”.

ويخلص الكاتب في هذا الفصل للقول إن تيار الصحوة مثّل الرافعة الأولى التي أطلقت مشروع السلفية الجهادية والذي تمظهر ابتداءً في تنظيم “القاعدة” عبر أفكار في الجهاد قبل أن يتخلّى مشايخ الصحوة عن تلك الأفكار بهدف التماهي مع السلطة التي وصفوها في مرحلة سابقة بكونها “دمية بيد العدو” ثم مع النخب الدينية والثقافية والسياسية التي وصموها في أيام الصحوة بالتحليل والكفر والتغرّب. بطبيعة الحال، يصعب تطبيق هذا الحكم على كل أعضاء تيار الصحوة إذ لا يزال البعض أميناً على أفكاره السلفية الأصلية والتكفيرية منها بوجه الخصوص وإن تخلّى عن خطاب الجهاد مثل ناصر العمر.

ويتابع، تيار الصحوة أنجب بأفكاره الجهادية والتكفيرية “السلفية الجهادية” المؤسسة على الوهابية في نسختها الأصلية ثم تخلّى عنها في مرحلة لاحقة الأمر الذي أغضب الجهاديين كونهم تربّوا على أفكار كان مشايخ الصحوة هم من غرسوها ودفعوا الشباب للهجرة من الأوطان والالتحاق بسوح القتال في أرجاء العالم، فيما راح الصحويين يبشّرون بأفكار في الاعتدال. وبعد أن كان الفعل الصحوي في الفترة ما بين 1990 – 1995 سلفياً جهادياً خالصاً، فإنه في مرحلة ما بعد السجن أصبح أقرب إلى “الإخوان المسلمين” فكرياً وحركياً أي إصلاحياً وتدريحيّاً وسلميّاً.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى