ــآية الله الشيخ الراضيالنشرةدراسات وبحوث

“منابع التكفير والإرهاب وخطر العقول المفخّخة”: تكفير الشيعة وبعض علماء السنّة (الحلقة 3)

مرآة الجزيرة ـ زينب فرحات

يتناول آية الله الفقيه الشيخ حسين الراضي في الفصل الثالث من كتابه “منابع التكفير والإرهاب وخطر العقول المفخّخة”: الأحاديث الموضوعة في تكفير الشيعة وقتلهم، إذ يستعرض عدد من الروايات الملفّقة المروية عن لسان النبي محمد (صل الله عليه وآله وسلم) وزوجاته والتي تدعو إلى نبذ الشيعة ومحاربتهم. لا يكتفِ بعرضها فحسب إنما نقضها وإظهار عدم صحّتها وضعف سندها. يتناول أيضاً تضخيم الاختلاف بين السنّة والشيعة، فتاوى المتشدّدين بتكفير الشيعة، مواقف أهل السنة من الحديث المتقدم الموضوع، معنى كلمة “رافضة” التي تعني رفض خلافة عمر وأبو بكر، متسائلاً هل رفض الخلافة يعني رفض الإسلام؟ كما بيّن المؤلف الأسباب التاريخية لظهور هذه الكلمة وانتشارها في العالم الإسلامي، قائلاً “خرجت في النزاعات المذهبية التي تريد منها أن تكون عوناً له عوناً في التغلب على خصمه لذلك نرى أن هذا الاتهام لم يختص الشيعة فقط بل تعدى إلى كبار علماء السنة كالإمام الشافعي والطبري صاحب التاريخ والحاكم النيسابوري وغيرهم”.   

ينطلق سماحته من ظاهرة التهويل بالاختلاف بين السنة والشيعة إلى حد يجعل من المستحيل التقارب بينهم على مختلف المستويات، فقد يرى البعض أنهم اختلفوا في الأصول والفروع والتاريخ وغيرها، فيما يرى بعض التكفيريين أن التقارب والتفاهم الاجتماع والتوحّد مع اليهود أو النصارى أقرب من التقارب مع الشيعة ولهذا ذهبت هذه المجموعة إلى تكفير الشيعة ونبزهم بالرفض. في المقابل يتعامل علماء الشيعة بتيقّظٍ مع هذه الظاهرة، ذلك أن الرأي المشهور لدى الشيعة هو أن أهل السنة مسلمون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم وتحلّ مناكحتهم والتوراث معهم، وتحلّ ذبائحهم ولهم من الحقوق الواجبات كما للشيعة، مع العلم أنه ذهب عدد قليل من الشيعة بل شاذ منهم إلى تكفير أهل السنة ونبزهم بالنصب، وهؤلاء لا يعوّل عليهم.  

تكفير الشيعة 

أما لدى العديد من علماء أهل السنة يتم تفكفير الشيعة، ويدعون لقتالهم ومقاطعتهم، فعلى سبيل المثال يقول الشيخ نوح الحنفي في جواب من سأله عن السبب في وجوب مقاتلة الشيعة وجواز قتلهم: “اعلم أسعدك الله أن هؤلاء الكفرة والبغاة الفجرة بين أصناف الكفر والبغي وأنواع الفسق والزندقة والإلحاد ومن توقف في كفرهم وإلحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم”. هذه الفتوى يردّدها وفق الشيخ الراضي، عدد من أشباه العلماء في وقتنا الراهن، واتخذها التكفيريون الذين يريدون أن يدمّروا بلاد المسلمين ويهلكوا الحرث والنسل ويتعاونوا مع الكيان الصهيوني والاستكبار العالمي فيتخذوها ذريعة لهم في قتل من خالفهم.  

أسباب التكفير  

أبرز أسباب التكفير التي يتعرّض لها الشيعة أو بعض السنّة يلخّصها العلامة المحقّق بالتالي: لأجل خلافات فقهية تؤدي إلى التحامل على من يختلف معه حتى وإن كان من أهل مذهبه أو عشيرته أو أقربائه. الإختلاف قد يكون أيضاً لأجل فهم النصوص العقدية وأن ما يفهمه هو الواقع وأن غيره على باطل ويتعامل بالإقصاء لمن يختلف معه حتى وإن كان ذلك هم أكثرية المسلمين، فمثلاً بعضهم يريد أن يقصي الأشاعرة والماتريدية والصوفية عن اسم أهل السنة والجماعة ويشطب عليهم ويلغيهم نهائياً، مع أن أكثرية أهل السنة عقدياً هم أتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي ومن الصوفية وهذا المنهج تمزيق وتفريق للأمة. ويلفت سماحته إلى أن التفجيرات في العراق وسوريا ولبنان وباكستان وأفغانستان وغيرها التي حصدت مئات الآلاف الأبرياء طيلة 13 عاماً جرت لأجل إشعال الفتنة بين السنة والشيعة وكثير من الحالات تكون بين أهل المذهب الواحد كما في استهداف مناطق سنية في محيط سني أو استهداف الصوفية.  

الخلفيات السياسية لكلمة “رافضة” 

لعل من أبرز الاتهامات التي توجّه للشيعة هي أنهم “رافضة”، وهو مصطلح يسهب سماحة الشيخ في شرحه وإيضاح خلفياته التاريخية والسياسية متسائلاً هل معنى الرافضة الطائفة التي رفضت الإسلام كما يقول هذا الحديث (يرفضون الإسلام) أو أنها رفضت شيئاً آخر أو من يسب أبا بكر وعمر؟ فإذا كانت رفضت الإسلام لم لا تشاركها بقية الأديان أو المذاهب التي ترفض الإسلام؟ ولماذا يختص بمن يزعم محبة علي (عليه السلام)؟ وإذا كانوا يرفضون الإسلام فما فائدة محبة علي وأهل بيته(عليهم السلام) كدين لهم ثم هم يرفضون؟ ويضيف، السؤال الذي يطرح نفسه: هل كل من يرفض خلافة أبي بكر وعمر ويقول لم تثبت لي خلافتهما أو بسببهما يكون رافضاً للإسلام؟  

بعدها يشكّك سماحته بصحّة هذا الوصف للشيعة، يبيّن الأسباب التاريخية لظهور كلمة رافضة، ويقول إن هذه الكلمة خرجت في النزاعات السياسية والمذهبية والتي يراد منها أن تكون عوناً في التغلب على الخصوم لذلك نرى أن هذا الاتهام لم يختص به الشيعة فقط، بل تعدى إلى كبار علماء أهل السنة، مثل الإمام الشافعي والطبري صاحب التاريخ والحاكم النيسابوري وغيرهم. وهنا يستشهد المؤلف بكلام لابن تيمية الذي يعترف أن كلمة الرافضة إنما خرجت في وقت متأخر لتصبح هذه الأحاديث كلها كاذبة إذ يقول: “لكن لفظ الرافضة إنما ظهر لمّا رفضوا زيد بن علي بن الحسين في خلافة هشام وقصة زيد بن علي بن الحسين كانت بعد العشرين ومائة سنة وإحدى وعشرين أو اثنين وعشرين ومائة في أواخر خلافة هشام”. أي خلاصة قوله، إن لفظ رافضة ظهر في زمان زيد المقتول عام 122ه أو 121ه. بالتالي تكون أحاديث الرافضة المتقدمة والآتية كلها كاذبة وموضوعة.  

التكفير ضمن الطائفة الواحدة  

لا تقتصر التفرقة والاتهامات والتكفير والتضليل والتبليغ بين السنة والشيعة بل حتى داخل الطائفة الواحدة فيكون الخلاف والنزاع الشيعي الشيعي، والسني السني، ويبلغ في كثير من الحالات التكفير والتضليل والتبديغ وإخراج بعض منهم الآخر من الدين أو المذهب، فمثلاً الجدال السني السني يثيره بعض منهم لأسباب تافهة لأجل خلافات فقهية تؤدي به إلى التحامل على من يختلف معه بالرأي، والاختلاف لأجل فهم النصوص العقديّة، هذا ما يوضحه آية الله الراضي في الفصل الرابع: اتهام عدد من أهل السنة بالرفض والتشيّع. وفي إشارة هامّة يبيّن سماحته أسباب الضرب على الوتر المذهبي بين الماضي والحاضر، ويقول: “لم يهدأ بال مصّاصي دماء الشعوب في السيطرة عليها بأي وسيلةٍ كانت، وقد فكّر هؤلاء وتنبهوا من صدر الإسلام أن الأمة الإسلامية لها علاقة قوية بدينها وإسلامها فلذلك جعلوا الاتهام والتهاون في الدين والتنابز بالألقاب التي نهى عنها القرآن الكريم وسيلة الطعن في الشخص أو الفئة التي تتردد في تأييدهم وممالأتهم”. 

تكفير الإمام الشافعي 

سماحة الشيخ الراضي يشير في هذا الفصل إلى العديد من علماء السنّة الذين تعرّضوا للتكفير بسبب ولائهم لأهل البيت(عليهم السلام) ورفضهم تكفير الشيعة، وفي مقدمتهم الإمام الشافعي الذي اشتُهر بولائه لأهل البيت(عليهم السلام) وتفانيه في حبهم، وكان يعلن ذلك ولا يخشى من البطش العباسي، ولا الفكر الأموي، وكان يروي الأحاديث الكثيرة في محبة أهل البيت(عليهم السلام) واحترامهم، كان يعلن ذلك على رؤوس الأشهاد وكان يقول في وجوب محبة أهل البيت(عليهم السلام): يا آل بيت رسول الله حبكم… فرضٌ من الله في القرآن أنزله… يكفيكم من عظيم الفخر أنكم… من لم يصلّ عليكم لا صلاة له، والكثير من الأشعار الأخرى التي تعرض للأذى بسببها. لذلك اتُهم الشافعي بالرفض، ومعنى الرفض في نظر متهميه أنه ممن يسب الشيخين ويشتمهما وفي ذلك من النتائج الوخيمة التي لا تخفى على أدنى متأمل ومنها خروجه من الإسلام كما تقدّم. أما اتهامه بالرفض فقد ظهر جليّاً في أشعاره التي نظمها في هذا الجانب وأوضح معاناته وظلامته من حساده وأعدائه الذين أرادوا إسقاطه في المجتمع فكانت هذه تهمته.  

تكفير الإمام النسائي  

الإمام النسائي هو شخصية علمائيّة أخرى من أهالي السنة تعرّض للأذى والتكفير بسبب حبه لأهل البيت، فهو “صاحب السنن الكبرى” المطبوع عام 1423ه بعد أن غيّب عن العالم الإسلامي لأكثر من 1100 عام عقوبةً لمؤلفه، كما ألّف كتاب “الخصائص” لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب علي(ع). تأليفه لـ”خصائص” أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وروايته له في الجامع الأموي وامتناعه من رواية فضائل معاوية وسقوطه شهيداً بعد روايته للكتاب دليل على أنه كان رافضياً بامتياز في نظر أعدائه. وفي هذا السياق يورد الكاتب عن محمد بن موسى المأموني ما قال: “سمعت قوماً ينكرون على أبي عبد الرحمن النسائي كتاب الخصائص لعلي وتركه تصنيف فضائل الشيخين فذكرت له ذلك فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير فصنفت كتاب الخصائص ورجوت أن يهديهم الله تعالى”. وقد انتهى به الأمر شهيداً بعد خروجه من مصر في آخر عمره إلى دمشق، حينها سُئل عن معاوية وما جاء في فضائله، فقال: “لا يرضى رأساً برأس حتى يفضل. فما زالوا يدفعون في خصيتيه حتى أخرج من المسجد وحمل إلى الرملة أو مكة فتوفيّ بها”.  

تكفير اسماعيل الورّاق 

وكذلك اتهمت شخصيات علميّة من أهل السنة بالتشيّع بسبب نقلهم لفضائل أهل البيت(عليهم السلام) والدفاع عنهم، فإذا لا يرضى خصومهم نحوهم، اتهموا الراوي بأنه يشايع ويؤيد أهل البيت(عليهم السلام). على سبيل المثال ذكر ابن حجر في هذا النحو: “اسماعيل بن أبان الأزدي الكوفي الوراق، شيخ البخاري في صحيحه فقد روى عنه في أكثر من حديث مباشر بلا واسطة وذكره الذهبي في الميزان بما يدل على احتجاج البخاري والترمذي به في صحيحهما وذكر أن يحيى وأحمد أخذا عنه وأن البخاري قال: كان يتشيّع وأنه توفي سنة 216ه، وقال الجوزجاني إن اسماعيل كان مائلاً عن الحق ولم يكن يكذب في الحديث. وقال ابن حجر: إنما كان عيبه شدّة تشيّعه لا على أنه عير عليه في السماع”. 

الحنابلة لا يعرفون الرفض 

يبيّن المؤلف في هذه الفقرة أن الفئة التي تروّج لاتهام الشيعة بالرفض وهم الحنابلة بالدرجة الأولى لا يعرفون معنى “رافضة”، فعن ابن الأثير، كان بن عيسى يقول: “والله لو سئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه وهكذا ذكره ابن مسكوبة صاحب تجارب الأمم وحاشى ذلك الإمام عن هذه الأشياء. وأما ما ذكروه من تعصّب العامة فليس الأمر كذلك وإنما بعض الحنابلة تعصبوا عليه ووقعوا فيه فتبعهم غيرهم ولذلك سبب وهو أن الطبري جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء ولم يصنف مثله ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيهاً وإنما كان محدثاً فاشتدّ ذلك على الحنابلة وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد فشغبوا عليه وقالوا ما أرادوا”. 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى