ــالنشرةتحليلات

“السعودية”: من اتفاقية ” كوينسي” إلى التعاون قصير المدى!

مرآة الجزيرة- يارا بليبل

شكّل عام 2015 نقطة تحوّل في مسار العلاقات بين واشنطن والرياض مع توقيع الاتفاق النووي بين الدول الكبرى (5+1) والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما رافقها من تجاهل واشنطن لصدى الأصوات التي وصلت من الرياض و”تل أبيب” إلى جنيف في مفارقة لها دلالاتها. 

شهد التحالف بين “السعودية” والولايات المتحدة عملية انتقال لمرحلة استراتيجية جديدة حتى بعيد وصول ترامب إلى سدّة الرئاسة، الأخير الذي لم يتوان في جرأته وطلبه ثمن الدفاع والحماية التي قدمتها واشنطن على مدار عقود من الزمن. تختلف هذه المرحلة في معطياتها ونتائجها عن تحالف “النفط مقابل الأمن”، الذي جرى في عام 1945، حيث تتميز هذه المرحلة الجديدة بأمرين، الأول: كون السعودية هي خط الدفاع الأول عن أمنها (وليس الولايات المتحدة)، والثاني: انتقال التعاون بين الرياض وبين واشنطن من تعاون طويل المدى إلى تعاون قصير المدى، ينحصر في عمليات آنية لتبادل المنافع.

وتُعبر عملية الانتقال هذه عن نفسها من خلال الملفات موضع الخلاف المرصودة، حيث تأتي حرب آل سعود على اليمن ضمن هذا الإطار، بما نتج عنها من خسائر للرياض وموقف أميركي ختمه بايدن في الرابع من شباط الماضي، حيث ألقى الرئيس الأميركي كلمته الأولى بشأن سياسته الخارجية، وفيها أعلن عن إنهاء الدعم الأميركي لكافة العمليات العسكرية الهجومية وما يتعلق بها من صفقات تسليح.

وفي السياق عينه، يأتي الانسحاب الأميركي من أفغانستان وما سبقه من رعاية واشنطن للمحادثات التي جرت بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان في العاصمة القطرية الدوحة، تمهيدا لما إعتقدت أنه قابل للتحقق في ضمان مشهد انسحاب قواتها بعيدا عن الفوضى التي جرت عليها الأمور. كما ذكرت أسوشيتد برس الأميركية أن الولايات المتحدة سحبت أحدث منظوماتها للدفاع الصاروخي وبطاريات صواريخ باتريوت من السعودية خلال الأسابيع القليلة الماضية، بالتزامن مع “تأجيل” زيارة كانت مقررة لوزير الدفاع الأميركي إلى الرياض لويد أوستن.

ويضاف إلى ما ورد، واقع استبدال النفط الخليجي بشكل عام و”السعودي” بشكل خاص بالنفط الأحفوري الذي بات يُنتج في مناطق كثيرة من العالم وبكميات أكبر، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة، التي باتت مصدّراً للخام، اعتباراً من عام 2020، وبالتالي تراجع الحاجة إلى حماية كل مضيق وممرّ مائي وبحر ومحيط لتأمين وصولها، الأمر الذي ساهم في التقليل من أهمية “السعودية” في مجال تأمين الإمدادات وتحديد الأسعار، من دون أن تفقد هذا الدور تماماً. إذ ما زالت الولايات المتحدة، حتى اليوم، تحتاج التدخل السعودي في «أوبك» لضخّ المزيد من النفط، متى اقتربت الأسعار من مستويات تؤثّر سلباً على الاقتصاد العالمي.

لم تكن المنطقة هادئة قط على مر التاريخ المعاصر، وإزدادت أهمية الإطار الذي تتم فيه التفاهمات حول قضايا المنطقة بين الطرفين، وهذا ما تم الارتكاز عليه بالفعل عام 1945 في “اتفاقية كوينسي”. أما اليوم وبالاستناد إلى نظرية بريجينسكي القائلة بأن النظام الدولي مهيأ بشكل قوي للفوضى، حيث لا تحكمه قوة مهيمنة، ولا تراتبية سلطوية، يظهر جلّيا ما كنا قد أوردناه عن سيطرة أشكال التعاون الآنيّة وضرورة إعادة تأطير العلاقات وفق المستجدات التي باتت أمراً واقعاً بعيدا عن المكابرة.

وبالحديث عن مفهموم القوة، من الجدير الذكر أنه لم تعدّ حصرا على الدول بل تعدته إلى المنظمات الإقليمية والدولية، كما المنظمات غير الحكومية من جهة، والحركات المسلحة من جهة أخرى، وعليه فقدت الدولة الوطنية احتكارها للقوة والنفوذ، وفي المحصلة فإن هناك مراكز سلطة عالمية، جزء مهمٌّ منها هو لاعب -غير- دولة. الأمر الذي يدركه بن سلمان جيداً ويعمل على تعزيز أدواته، وتُعد رابطة العالم الإسلامي واحدة من أذرع بن سلمان لتدعيم قوّة ومشروعيّة حكمه داخليا ودوليا، كما وتحقيق خطوات لا يمكن تمريرها عبر الهيكل الرسمي للحكم لما يكتنفه من عقبات، يذكر في هذا المجال الوصال المرجو مع الكيان الصهيوني وما رشح مؤخرا من مشاريع تعاونية مع معهد توني بلير للتغيير العالمي  للـ”إسهام في بناء التفاهم والتسامح بين الشباب ومجتمعاتهم”، بحسب ما جاء في متن البيان الصادر عن الرابطة.

تكمن القراءة “السعودية” للمستجدات الإقليمية من زاوية تراجع واشنطن في الساحة الدولية، وتحول محور إهتمامها إلى شرق آسيا التي باتت تجد فيه التهديد الأول مع إرتفاع الدخل الفردي للصين وقدرة الاقتصاد الصيني على تحقيق أرباح في السوق الداخلي، كما والدور المتنامي للصين في كل من إفريقيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، حيث أجرى عضو مجلس الدولة ووزير الخارجية الصينى، وانج يى، جولة رسمية استغرقت أربعة أيام (17-20 تموز) فى الشرق الأوسط، شملت سوريا ومصر وكذلك الجزائر، للتأكيد على سياسة الصين الخارجية المستقلة، وتعدّ هذه الزيارة هي الثانية خلال 6 أشهر للوزير الصيني، ما يلقي الضوء على مستقبل الحضور الصيني في المنطقة، وبشكل خاص مع الانسحاب الأميركي وما سيخلفه من فراغ.

وفى سياق متصل، التقى وانج مع الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط فى العلمين، وصدر بيان مشترك بعد الاجتماع، حيث اتفق الجانبان على إجراء الاستعدادات للقمة الصينية العربية الأولى المقرر عقدها فى المملكة العربية السعودية عام 2022، ويذكر أيضا توقيع نائب وزير الدفاع الروسي ونائب وزير الدفاع السعودي الشهر الماضي، اتفاقية للتعاون العسكري بين حكومتي روسيا و”السعودية”، خلال المنتدى العسكري التقني الدولي “آرميا 2021”.

وتعد روسيا الدولة الثانية عالمياً من بين الدول الخمس الأعلى في صادرات الأسلحة ما بين 2016-2020، حيث تصدرت أمريكا المرتبة الأولى لتليها روسيا، وفرنسا، وألمانيا، والصين. وقد بلغت الحصة العالمية من صادرات الأسلحة الروسية 20% ما بين 2016 و2020، بحسب تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

ومن جهة أخرى احتلت “السعودية” المرتبة الأولى للدول الأعلى استيراداً للأسلحة في العالم، لتليها الهند، ومصر، وأستراليا، والصين. حيث بلغت نسبة واردات الأسلحة “للسعودية” من الحصة العالمية 11% ما بين 2016 و2020. وبحسب التقرير تقدم أمريكا 79% من واردات الأسلحة للسعودية، لتليها المملكة المتحدة بنسبة 9.3%..

تعتمد “السعودية” اليوم سياسة المناورة، فما بين ابتزاز الحليف الأميركي عبر شراكات دفاعية واستثمارية مع كل من الصين وروسيا، ومحاولة التواصل مع الإيراني وتأطير العلاقة بما يخدم الطرفين ويمنع من التصادم، تأتي محاولات التقرّب من الكيان الصهيوني كمسار آخر يمهده بن سلمان للظفر بالعرش.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى