ــالنشرةتقارير

محمد بن سلمان يعدّل في حلّة إستبداد أسلافه فقط!

مرآة الجزيرة

في صيف عام 1989، وضع عالم سياسي شاب واشنطن على ترنح مع الإعلان الجريء بأنه مع انتصار الغرب على الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة، فإن التاريخ كما عرف العالم ربما يكون قد انتهى للتو. لقد رأى فرانسيس فوكوياما في انهيار الشيوعية “الاستنفاد التام للبدائل المنهجية القابلة للتطبيق لليبرالية الغربية”. واعتبر انتصار الليبرالية “نقطة النهاية للتطور الإيديولوجي للبشرية وعالمية الديمقراطية الليبرالية الغربية كشكل نهائي من أشكال الحكم البشري.

من خلال ما ورد، يستهل الباجث “جون آلترمان” في تقريره المنشور لصالح مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، والمعنون بـ”نهاية التاريخ في الشرق الأوسط”، حيث أعرب عن اعتقاده بأن العديد من الحكومات في الوطن العربي تدّعي عن يقين أو عن خبث وصولها إلى المرحلة الوضوح، لكن واقعها لا يوحي بالأمر، إذ لا تزال تترنح مما حدث في “الربيع العربي”، غامزا من قناة ما يصطلح على تسميته “دول مجلس التعاون الخليجي”.

مضيفا بأن هذه الحكومات تتقاطع بنموذجها الاستبدادي وتأمينها للحد الأدنى من الأمان الاجتماعي، بالتوازي مع الحفاظ على القيود الصارمة التي تطال حرية المعتقد، التحرر الاجتماعي، وتنشيط القطاع الخاص.    

ويشير الباحث إلى أنه في الوقت الذي كانت الراديكالية لا تعبّر إلا عن الأقلية في الدول “الخليجية” في أوائل القرن الحالي، لكنها كانت متنامية، وقد ساهمت في تفاقم مؤشرات صعودها طول الفترة الفاصلة بين تخرج الشباب من أبناء شبه الجزيرة العربية وغيرها في المنطقة، ودخولهم إلى سوق العمل.

قامت الجماعات “الجهادية” باستهداف هذه الفئة بالتحديد، عبر تقديمها الراتب والاحتواء الذي يكفي الشباب للشعور بالانتماء اللازم، وزادت هذه الجماعات على مكوناتها للخلطة الناجحة خطاب القطيعة والاغتراب الذي يعايشه العديد من الشباب في تلك الفترة المفصلية من حياتهم.

يلفت آلترمان إلى مساهمة الاقتصادات الضعيفة في توليد اليأس في نفوس الشباب، خاصة لجهة فرص الحصول على عمل حكومي. حيث يأتي ذلك بالتزامن مع تضاءل قدرة ورغبة الحكومات “الخليجية” على تأمين العدد المطلوب من الوظائف الشاغرة ربطا بمميزاتها غير المتوفرة في القطاع الخاص، إلى جانب غياب أي دور يذكر للمؤسسة الدينية في مكافحة مظاهر التطرف لدى هذه الفئة. مؤكدا أن هذه المؤسسة لعبت دورا مشجعا على تبني الفكر المتطرف لهذه الجماعات ولم يقتصر دورها على تقبل التعصب نموذجا سائدا وقابل للتوسع.

وفي مقاربته للأوضاع الاقتصادية المتوقعة لمستقبل “دول الخليج”، وتزايد حرص الأخيرة على مراقبة الفضاء التكنولوجي الممثل بمواقع التواصل الاجتماعي ونشاطه المتزايد. فأشار إلى أن العديد من الحكومات “الخليجية” والعربية تبنت سياسة تبدو كأنها تفرض التسامح الاجتماعي. حيث تم تحييد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في “السعودية”، في مقابل الترويج للحفلات الموسيقية العامة ودور السينما والتجمعات في الهواء الطلق. فيما تقوم الإمارات ببناء مجمع يضم مسجدًا وكنيسًا يهوديًا في أبوظبي، ودعت إلى بناء أول معبد مورمون في الشرق الأوسط في موقع إكسبو 2020 بعد انتهاء المعرض.

وقال الكاتب إن الحكومات تسعى في جميع أنحاء المنطقة الخليجية بشكل متزايد إلى كتابة خطب المساجد. وعلى الرغم من طول انتظار هذه الاجراءات، خاصة في السعودية، من قبل شريحة واسعة من “المجتمع”، إلا أن المساحة التي أعطيت إلى “القوى المحافظة” خلال كل تلك الفترة الماضية ساهمت في تقويض التعددية وخلق تيار واحد مؤثر على الأجيال الجديدة.

ما ورد ولّد، وفقا للكاتب، تضاعف لأعمال العنف والاضطرابات في الشرق الأوسط، ودفع بالعديد من الشباب الواعدين إلى سلوك طريق الهجرة خيارا أفضل لهم، ما أثر على الاقتصادات بشكل عام، وعلى اعتبار أن الإسلام السياسي طريق مسدود، كل ذلك بالتوازي مع توسع البيروقراطيات في الدول واستدامتها أكثر.

وإذ يراهن آلترمان على قدرة التحركات الجديدة التي يقوم بها محمد بن سلمان على سبيل المثال، في جعل القيادة والتحولات أكثر مرونة، إلا أنه يلفت في الوقت عينه إلى احتمالية أن يكون كل الهدف من وراء هذه الضجة، استبدال الأشكال القديمة من الاستبداد وفقا لنظرة حداثاوية فقط. وبالتالي الانتقال إلى نوع جديد من الاستبداد الممارس على المجتمعات مع الحفاظ على الجوهر التقليدي.

عند ذلك الحدّ، يذكر الكاتب أن المشاكل الأساسية التي تواجه الشباب وغيرهم من فئات المجتمع لن تخضع لأي معالجة أو تخفيف من حدتها، وأن “المحافظين” سيعززون من مكانتهم، وستبقى أفكارهم جذابة للشريحة عينها. الأمر الذي يعني بطبيعة الحال، مواصلة السلطات في “السعودية” وغيرها من الدول الاستبدادية التحكم في حياة المواطنين، في الوقت الذي يواصل “القادة” هناك على امتلاك سلطة المحاسبة والرقابة الذاتية على نفوس كل من يقطنون البلاد.

وبدلا من تعزيز المرونة، تسعى هذه الأنظمة الأكثر حداثة إلى الحفاظ على نفس الآليات التي أثبتت أنها كارثية للغاية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط، وفقا للكاتب.

وأشار آلترمان إلى أنه من المؤكد أن الدول العربية غالبًا ما كانت تخنق اقتصاداتها، وتنازلت عن مساحة مهمة للقوى الدينية التي شقت طريقها إلى الصدارة الاجتماعية، وتحميها بمنع المراجعة في حال تسجيل أي ممارسة معيبة بحقها.

ختم مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، جون آلترمان،  بالقول “إن الحكومات تتجاوز حدودها عندما لا تكون هناك حواجز، إن التواضع في الحكم لا يقل أهمية عن السلطة”، كما أكد على أهمية “أن تعي الحكومات الإقليمية أهمية القدرة على التكيّف والمرونة، بدلا من مجرد القوة، باعتبارها ستحدد نجاح بلدانها”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى