النشرةشؤون محلية

في زمن “الإنفتاح” السعودي.. لا غنى عن رجال الدين في خدمة السياسة

مرآة الجزيرة

أثار توجيه وزير الشؤون الإسلامية في “السعودية”، عبداللطيف آل الشيخ، خطباء الجوامع بتخصيص خطبة الجمعة للتحذير من” تنظيم السرورية” تساؤلات عن التنظيم وعن توقيت التحذير.

وشمل التوجيه التشديد على الخطباء بأهمية توضيح “كيف ينتهج هذا التنظيم السريّة للوصول إلى أهدافه وعلى رأسها تحريض الناس على الخروج على ولاة الأمور وتفريق جماعة المسلمين وبث الفرقة بينهم ونشر الحروب في بلدانهم”.

كما وجّه  أن تشتمل الخطبة على “التذكير بأهمية اجتماع الكلمة ووحدة الصف ونبذ الجماعات والتنظيمات ومنها تنظيم السروريّة الإرهاب، بيان أهداف هذا التنظيم وما يسعى إليه من إفساد في بلاد المسلمين، بيان خطر هذا التنظيم -صراحةً – وأنّه وجه من وجوه جماعة الإخوان الإرهابية”.

وفي ردود الفعل، اعتبر المعارض تركي الشلهوب أن وزارة الشؤون الإسلامية “لا تجرؤ على توجيه خطباء الجمعة للتحذير من خطر الحفلات على الشباب والمجتمع” معتبرا أن ما يجري “جزء من مشروع يرمي إلى طمس الهوية الإسلامية، وتدمير للمجتمع عن طريق الحفلات، واستغلال المنابر”.

وسخر علي الشهري من التوجيه قائلا: “سيخطب بعض السرورية عن السرورية أتصدقون هذا”.

في حين، نبّه نائب رئيس المنظمة الأوروبة السعودية لحقوق الإنسان عادل السعيد في تغريدة على حسابه الشخصي، مما وضعه في سياق حملات التشويه الشبيهة لما تعرض له الشيخ نمر باقر النمر في الصحف والمنابر قبل إعدامه، وأن ما ورد قد يكون الغرض منه التخلص من رزمة لطالما تواطأت مع السلطات وحان اليوم موعد تصفيتها مع انتهاء دورها.

للداخل حساباته الخاصة

أتت هذه التوجيهات بالتوازي مع توسع نطاق المواسم الترفيهية في “السعودية”، فلم يعد الأمر محصوراً باستضافة الأنشطة الصيفية بل تجاوزه ليطال الرياض بوصفها الوجهة الثانية على خريطة الترفيه السعودية، بموسم حفلات مستمر، وذلك تعويضا عن السنة الماضية التي شهدت توقفا عن الفعاليات نتيجة الجائحة فأتى الإعلان عن الموسم الفني في “السعودية” تحت عنوان “مواسم عن سنتين”.  

في هذا السياق، لا شكّ أن سياسة بن سلمان “الترفيهية” بالمعنى الذي يفقهه ويلزم المجتمع بحدوده وما شكله من استدارة يأتي في إطار طمع الشاب المتحرر في إقحام نفسه في مراهنات سياسية يبدو أنه بات يلتمس سوء تقديره النسبي لمآلاتها وعواقبها الاجتماعية في الداخل.  

خارجيا، بعد أن تأكد بن سلمان من صفريّة سياساته في كل من سوريا ولبنان، شنّ حربا على اليمن لتغطية هزائمه فما كان إلا أن فاقمها، ولم يقف الأمر عند هذا الأمر بل شرع في تفكيك مجلس التعاون الخليجي الذي يعتبر الصورة الوحيدة للـ”تضامن الخليجي” من خلال إطباق الحصار على قطر، كما واعتقال رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري.

أما داخليا، لا يمكن وضع إعادة إحياء رُهاب السرورية من قبل الشؤون الإسلامية إلّا في إطار التغطية عن واقع مأزوم تعيشه السلطات الدينية بين التوجه العام الجديد لولي العهد الذي يسوّق للـ”نيو-سعودية”  وبين تركيبة المجتمع السعودي غير المتقبل للهيئة الحالية التي تظهر عليها “المملكة”.

من المفيد القول بأن الرياض وجدّة بما تعكسانه من تمثيل لفئة اجتماعية سعودية، يُعدان استثناءا للسياق السعودي العام الذي يُعمل على إغفاله عمدا في الإعلام. وما الترهيب من السرورية إلّا مؤشرا على رصد الأجهزة الأمنية والاستخبارية لحالة من الغضب والرفض الشعبي لسياسات النظام، وأن تنظيمات وحركات سريّة تستغله في سبيل إعادة تفعيل حضورها في المزاج العام الشعبي عبر تبنيها لهواجسهم المرتبطة بالانحلال الأخلاقي والتطبيع الصهيوني، كما السياسات الاقتصادية التي أثقلت كاهل عموم أفراد الشعب.    

ترعى هيئة الترفيه السعودية بقيادة تركي آل الشيخ هذا التحول، وينظم موسم الرياض راهنا عددا من الحفلات الغنائية الراقصة، إذ يبدو جليّا مدى التفاعل الداخلي مع الحدث لناحية ما يظهر من “هلوسة” شبابية ناتجة عن تعاطي الحاضرين لحبوب مخدرة بشكل علني، وما تعرضت له بعض المشاركات من تحرش، وهذا غيض من فيض ما يحدث ولا يجد سبيله للنشر.  

وقد شكل افتتاح موسم الرياض، في 20 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، والذي شهد حضور أكثر من نصف مليون مشاهد بابًا للانتقاد والحذر الداخلي، في ظل غياب أي إجراءات إحترازية، وحالة من الهرج والمرج سيطرت على الحضور.

وبعد ارتياد الشواطئ للجنسين والحفلات الليلية وارتداء ملابس البحر، بلغت درجة الانفتاح “السعودي” مؤخرا دفتي الكتاب، في تطور يتزامن مع ما تشهده “المملكة” الثرية خلال السنوات الأخيرة. فقد ضمت رفوف معرض الرياض الدولي للكتاب كتبا عن العلمانية والصوفية والمسيحية والمثلية وروايات سياسية وأخرى عن السحر وغيرها من الموضوعات التي ظلت محظورة لعقود في “المملكة” المحافظة.

وفي تقرير أعدته وكالة فرانس برس، عبّر المدرس السعودي إبراهيم عن معارضته الانفتاح الاجتماعي “السريع” في بلاده، مشيرا إلى الحفلات والاختلاط غير المسبوق بين الذكور والاناث الذي تشهده المملكة منذ أشهر. ويقول إبراهيم وهو مدرس لغة عربية يبلغ 55 عاما فضّل ذكر اسمه الأول فقط ما يحدث من حفلات صاخبة واختلاط وتساهل في ملابس النساء بل والسماح لهن بالتدخين علنا لا يجوز في بلاد الحرمين”.

ويتابع الرجل وهو يهم بالخروج من مسجد في وسط الرياض “كان هناك انحلال مستتر بالبلد. بالطبع كل بلد به انحلال. لكنه الآن بات علنيا”. مضيفاً “مشكلتي ليست مع الحرية مشكلتي أنّها حرية بلا ضوابط وبلا قيود” مشيرا الى ان “التغيير يحدث سريعا”، ويتابع “سألت علماء دين عما يحدث وقالوا أننا يجب أن نطيع الله ورسوله وأولي الأمر. لذا أنا متقبل الأمر الواقع فهم مسؤولون عنا”، في إشارة للحكومة السعوديّة.

وقال أكثر من خمسة سعوديين تحدثوا لفرانس برس إنهم متحفظون على الانفتاح المصحوب بتغييرات اجتماعية سريعة “تتنافى مع القيم التي نشأنا عليها”.

ويرى مراجع العقود الحكومية الشاب عبد الرحمن أنه “لم يعد هناك رادع ديني”، مشيرا إلى أن “الحفلات الصاخبة والاختلاط الفجّ بمثابة تجرؤ غير طبيعي على القيم والعادات في السعودية”.

بدأ “الأمير” الشاب محمد بن سلمان في تقديم خطة 2030 في ربيع 2016، وذلك لتقليل اعتماد بلاده على النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي، لتصبح السياحة والترفيه أهم أولويات “المملكة”، التي لم تكن تسمح للنساء سابقًا حتّى بقيادة السيارات، إلى أن قرر سلمان بن عبد العزيز منحهنّ هذا الحق، في أيلول/ سبتمبر 2017.

إن هذه التحولات خيّبت آمال تيار كبير من المحافظين المتدينين المتأثرين بتيار الصحوة، اللذين لطالما رأوا في النهج المحافظ لسلوك “المملكة” منهاجاً يحب أن تطبقه كل الدول الإسلامية، وعجز بعضهم عن تقبل السعودية الجديدة، فصاروا هائمين على وجوههم بلا مرجعية، بعدما ذهبت مرجعيتهم بلا عودة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى