النشرةبارزحوارت

رئيس تحرير مجلة الهلال المصرية د. محمد الشافعي في ندوة “مرآة الجزيرة”: من الضروري أن يتحول الحج إلى مركز للقضايا الإسلامية الجامعة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية

،،مرّت العلاقات السعودية المصرية بفترات من المد الجزر، وقد اتخذ آل سعود من الحج ساحة للإنتقام من الحجيج المصريين خلال فصول المناوشات السياسية التي خاضها البلدين. فبدلاً من أن يكون الحج مركزاً تخاض فيه النقاشات ذات العلاقة بشؤون الأمة ومصيرها تحوّل إلى أداة لتفريق الشعوب وحرف أنظارها عن القضايا الإسلامية الجامعة. عن العلاقات السعودية المصرية وحادثة المحمل المصري بالإضافة إلى التغييب المتعمد لقضايا المسلمين تحدث الباحث والكاتب الدكتور محمد الشافعي رئيس تحرير مجلة الهلال المصرية في حوار خاص مع “مرآة الجزيرة”

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

بيّن د. محمد الشافعي أن العلاقات السعودية المصرية شهدت اضطرابات وانفراجات على مر التاريخ، ونتيجة لذلك انعكس الأمر على الحجيح المصريين. الشافعي توقّف على أبرز مفاصل العلاقات السعودية المصرية منذ أن ذهب حاكم مصر محمد علي باشا لإسقاط الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى ومنذ ذلك الحين نشأ ثأر السعوديين المبيّت ضد مصر، وفق الباحث. في عام 1916 وبدعم مطلق من البريطانيين بدأ آل سعود يتحركون من الكويت حيث أقاموا بعد تدمير الدولة السعودية الأولى، بإتجاه الحجاز لإستعادة ما كان لهم من قبل، يورد الشافعي، مضيفاً، في هذه الفترة كان الإنكليز وأيضاً المخابرات البريطانيا قد خدعت الشريف حسين وأقنعته بالثورة ضد العثمانيين ووعدته أنه سيحصل على حكم العراق وسوريا. وأيضاً عارضت المخابرات البريطانية آل رشيد وكثير من الخبراء يؤكدون أن طرح إقامة الكيان الصهيوني على الفريقين فرفضوا في حين أن آل سعود وافقوا على ذلك فبدأت تحركاتهم إلى إنشاء الدولة السعودية.

كان اليمن بحسب الشافعي محط اتفاق أو اختلاف بين مصر و”السعودية”. فحين قامت ثورة عام 1948 في اليمن وقف ضدها كل من الملك عزيز والملك فاروق. لكن في 1958 عندما بدأت الوحدة بين مصر وسوريا عام كان “للسعودية” دور كبير في إفشال هذه الوحدة. وفي عام 1962 عندما قامت الثورة اليمنية الثانية استدعيت مصر من قبل الثوار اليمنيين لكي تساند الثورة واستطاع جمال عبد الناصر آنذاك الحصول على الاعتراف الدولي من الحكومة اليمنية الجديدة حتى أصبحت حكومة شرعية لكن الملك فيصل لم يقبل بهذا ودخل بشراكة مع الإنكليز ووافق على دخول الطيران الصهيوني لينقل المعدات والأسلحة للقبائل الرافضة للثورة في اليمن وأيضاً أدخل مرتزقة وصل عددهم إلى 20 ألف شخص، وفق الإعلامي المصري. بعدها جرى الإتفاق على الإنسحاب المتزامن للقوات المصرية والسعودية من مصر وقد انسحبت 9 أفواج مصرية فيما جرى الإعتداء على الفوج العاشر. ثم أرسل الملك فيصل برقية للرئيس جونسون الذي كان لا يزال نائب للرئيس كينيدي استعداه فيها على مصر لكن الأخير قال له أنه يريد أن يجعل اليمن فخ للإيقاع بجمال عبد الناصر وبالفعل استخدمت اليمن كفخ ثم تطورت المسألة إلى أن الملك فيصل أرسل برقية إلى الرئيس جونسون يحرضه فيها على ضرب مصر وسوريا مع تحمل “السعودية” لكامل نفقات العميلة وهكذا حصل عدوان يونيو 1967. الشافعي يلفت إلى أنه لم يحصل انفراجة في العلاقات بين البلدين إلا مع الرئيس السادات لأن كانت 99 في المئة من القضية بيد الأمريكيين بحسب قوله وكان السعوديون قد نقلوا ارتباطهم من المخابرات البريطانية إلى الأمريكية، وحدث هذا التقارب بين مصر و”السعودية” حتى أُبرمت معاهدة السلام. وأيضاً كانت العلاقات دافئة في ما بعد بين الرئيس حسني مبارك وآل سعود وكذلك الأمر بالنسبة للرئيس عبد الفتاح السيسي.

حادثة المحمل المصري

انتقل المؤرخ المصري لأبرز انعكاسات العلاقات السعودية المصرية على الحج وهي حادثة المحمل المصري. يوضح الشافعي أن كسوة الكعبة كانت تخرج كل عام من مصر إلى حين تصاعد الخلاف بين “السعودية” وجمال عبد الناصر. والكسوة عبارة عن مئات المحامل التي ترفق بزفة متجهةً إلى مكة وهي عادة دأبت عليها مصر منذ زمن طويل، وإلى جانبها كانت مصر ترسل أيضاً الأطباء والمهندسين والمدرسين بمعداتهم إلى “السعودية” وكانوا يتقاضون رواتبهم من الحكومة المصرية. ما حصل في حادثة المحمل الشهيرة هو أن موسم الحج عام 1926 تزامن مع ظهور تنظيم “من أطاع الله” الإرهابي وهو تنظيم عسكري للقبائل العربية التي حالفت الملك عبد العزيز آل سعود أثناء سيطرته على مكة. حين دخل المحمل، يقول الشافعي طلب التنظيم من الموسيقيين إيقاف العزف فلم يستجيبوا لهم وتابعوا مسيرهم كما اعتادوا في السنوات الماضية. فهاجمهم التنظيم وأطلق عليهم النار فقتل منهم العشرات.

قبل المحمل يذكر الشافعي أنه كان هناك شيء يعرف بالتكية المصرية في الحج وهي مكان يوضع فيه الطعام والشراب وأيضاً فيه أدوية وإسعافات أولية للمصابين. لكن في ما بعد مع تصاعد الخلافات بين البلدين جرى تنظيم متعمد للطرق حتى يمر طريق الحجيج عمداً داخل التكية لهدمها حتى لا تذكر الناس بتلك الأيام. فبعد ما حقق آل سعود كل ذلك الثراء مع ظهور النفط اعتبروا أنه لم يعودوا بحاجة إلى مصر في موضوع الكسوة والتكية لذا أنهوا الأمر. وفي حين كان هناك مصنع مخصص للكسوة في مصر أصبح هناك مصنع أيضاً في “السعودية”، يورد الشافعي.

ابراز دعم القضية الفلسطينية خلال موسم الحج

قد يكون الحج بالنسبة للحجيج شعيرة دينية يأدونها للتقرب من الله عزوجل في آداء المناسك، لكن هناك العديد من القادة المسلمين على كافة مستوياتهم يجتمعون كل عام في الحج لذا من الممكن لو وافق آل سعود أن يتم على هامش الحج اجتماع لهؤلاء القادة لمناقشة أمور العالم العربي والإسلامي بحسب ما يرى الباحث المصري. فالجامعة العربية حالياً تجمع الأصفار دون تحقيق أي نتيجة تذكر، مؤتمر العالم الإسلامي أيضاً كذلك الأمر بالرغم من أنه يتألف من 57 دولة بينها 22 دولة عربية، فمثلاً حين قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي كانت ردود الفعل باهتة جداً عربياً وإسلامياً، لذا مطلوب جداً على هامش مراسم الحج أن نقيم مؤتمراً للحكام العرب والمسلمين لمناقشة القضايا الإسلامية الجامعة. لكن النظام السعودي طبعاً يخشى فعل ذلك.

وشدّد الشافعي على ضرورة أن يكون النظام السعودي أكثر تساهلاً في موضوع ذكر القضية الفلسطينية في الحج أي بالسماح لتوزيع كراريس ذات علاقة بفلسطين والسماح للحجاج برفع إشارات تظهر الدعم للفلسطينيين وهو بالطبع أمر لا يتعارض أبداً مع جوهر الحج لأن المسجد الأقصى هو أيضاً مكان مقدس أسري إليه رسول الله من المسجد الحرام، لذا فإن نصرة المسجد الأقصى هي دينية بالدرجة الأولى وعلى حكام “السعودية” وفق الشافعي أن ينصروا المسجد الأقصى وأن ينتصروا للقضية الفلسطينية. أما إذا تركنا هذه القضية المحورية بالنسبة للعالم العربي فسيؤول بنا الحال إلى المزيد من التشتت بين الدول العربية وشعوبها. فقط لأنه ثمة حكام عرب انصاعوا لإرادة الأمريكيين والصهاينة وبالتالي أصبحوا أذلاء عندهم وانعكس الأمر على الشعوب العربية.

يجب أن لا يُمنع أحد من الحج

يجد الشافع أن مطلب تدويل الحج شديد الصعوبة والحرج بالنسبة لآل سعود، مشيراً إلى أن المشاعر المقدسة تقع على الأراضي السعودية وكل دولة لها سيادتها الوطنية على أراضيها لكن يجب أن يطالب النظام السعودي بعدم رفض طلبات الحجيج فمثلاً هو عنده سعة في الحرمين الشريفين تتسع لمئات الآلاف من الناس لكن مع ذلك يبقى هناك رفض حج الكثير من الناس سنوياً لأسباب سياسية. على سبيل المثال عدائية النظام السعودي لإيران تنعكس على تقليص عدد الحجيج الإيرانيين. وهو أمر مرفوض إذ يجب أن لا يمنع حج إيراني من زيارة الأراضي المقدسة مهما كان السبب. نفس الأمر يتكرر مع حزب الله في لبنان الذي لديه موقف من الحكام السعوديين لكن يجب أن لا يمنع أي منتمي لحزب الله من الحج وفق الباحث، في نهابة المطاف هذه أرض تخضع لسيطرة السلطات السعودية لكنها تخص جميع المسلمين وعلينا أن نوازن بين المطلبين أي حفظ سيادة النظام على أرضه وفي نفس الوقت تتسع رؤيته لإحتواء جميع الحجيج حتى الذين يختلف معهم سياسياً فالحج ليس مكاناً لتصفية الحسابات السياسية إنما للوحدة الإسلامية، ينهي د. محمد الشافعي كلامه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى