النشرةبارزمقدسات وآثار

المهن التراثية في القطيف: تاريخٌ من الإبداع

مع مرور الزمن، تحوّلت مهن أجدادنا التي كانت مصدراً رئيسياً للدّخل، إلى جزء من تراث الماضي الذي يصارع الزوال. ذلك أن القدرات العالية لتقنيات الإنتاج الحديثة أدت إلى تغيير عميق في سلوكيات الأفراد وأنماط الإستهلاك، حتى أصبح الإنسان المعاصر مفتوناً بإنتاج الآلات والجلوس خلف المكاتب، فضاقت رقعة المنتجات التراثية حتى اقتصرت على أشخاص قلّة في مناطق محددة.

مرآة الجزيرة

فتحت الصناعات اليدوية نقاشاً تباينت فيه وجهات النظر، فهناك من اعتبر أنه من الضروري الإبقاء على هذه الصناعات كتراث وطني فقط دون إدخال أي تحديث، فيما ناشد آخرون بدمج الحرف في عجلة الصناعات الحديثة وإهمال ما لا يمكن دمجه، أما الرأي الأكثر إنصافاً يكمن في دعم وتطوير المهن التراثية لتكون منتجة قادرة على توفير دخل وتأمين حاجات المستهلكين.

يمكن تلخيص أهمية الصناعات اليدوية في شقّين، الأول فائدة معنوية ترتبط بشخص المُنتج أي شعوره بالثقة والسعادة عندما يتمكّن من خلق شيء جديد بنفسه يحمل لمساته وذائقته. الشق الثاني وهو الأهمية الإقتصادية أي أن الحرف التراثية تؤمن مصدر دخل بكلفة منخفضة ويمكن ممارستها في المنزل أو أي مكان يختاره العامل وذلك على خلاف متطلبات الصناعات الحديثة. الأزمات الإقتصادية السيئة التي تمر فيها البلاد جعلت مستقبل الموظفين في الشركات التجارية مهدداً كونهم قد يتجردون من مصدر رزقهم في أي وقت تجد فيه الشركة نفسها غير قادرة على الإستمرار. ولذلك بات من ضروريات الحياة المعاصرة أن يبحث كل فرد منا عن بديل لوظيفته الحالية يستطيع أن يتخذها هواية في بداية الأمر قد تتحوّل إلى متكئ له في الأزمات وملاذاً إذا ما وجدنا أنفسنا فجأة في العراء.

بناءاً على ما تقدم، سنشرع في الحديث حول المهن التراثية التي تتميز فيها منطقة القطيف. وهي بمثابة موروثات الشعبية مكتنزة في الذاكرة الحضارية كان قد عبّر عنها العمال الماهرين الذين جعلوا من الحرف سجلاً ذاخراً بالإنجازات. ومن هذه المهن، صناعة السلال، التطيين، الحدادة، الرعي، الزراعة، التعليم في الكتاتيب، الطواويش، الصيد، وغيرها.

الرعي
كانت مهنة الرعي في القطيف تتوزع على فئتين، الأولى وهي المختصة برعي الأغنام والأبقار في البراري بالإضافة للعناية بالدجاج وحلب المواشي وبيع منتجاتها في الأسواق. أما الفئة الثانية فهم العاملون بمقابل حصة عينية أي أن يقوم الفرد برعي مواشي عائدة لبعض ملاكي الأراضي الزراعية مقابل مبلغ مالي معين بالإضافة إلى حصة من المنتجات.

الزراعة

تعتبر النخلة أهم شجرة مثمرة في القطيف وقد اشتهر القطيفيين بإنتاج الرطب وتصديره للخارج، إلى جانب زراعة غلات البرسيم والأرز، كما يزرع بالقطيف كميات من الخضار تشمل البصل والبقل والفجل و الطماطم وكذلك بعض الفاكهة مثل العنب التي تروى جميعها من مياه الآبار الجوفية التي تشتهر بها منطقة القطيف.

التعليم

مع العلم أن مهنة التعليم معاصرة، لكن سابقاً في القطيف كان التعليم يتم عند الكتاتيب. يشترط على المعلم أن يكون من أصحاب التقوى والعلم ومن ثم تخذ زاوية من بيته لغرض تعليم الأطفال حيث يجلس كل طفل وبيده لوح من الخشب وأول ما يتعلم من العلم قراءة وحفظ سور من القرآن الكريم وتفسيرها وحفظ الصلاة والمواظبة عليها ثم يتعلم الكتابة والحساب.

الدلاّل

سادت في القطيف قديماً مهنة الدلّال، أي البحث عن الأشياء والحيوانات الضالة والأشخاص المفقودين مقابل مبلغ مالي في حال تم إيجاد المفقود. ويتم ذلك من خلال إعطاء الدلال مواصفات المفقود بشكل دقيق ومفصل فيخرج للتجوال في الأسواق والأحياء عنها حتى يجدها.

أعمال الطين

يتوفر الطين بشكل كبير في القطيف ما جعل الأهالي يعتمدون في الماضي على مهنة صناعة الفخار لإنتاج كل ما يحتاجونه من أدوات منزلية ككاسات الشراب، الأباريق، الجرار، البراني، التنور، المباخر، علب الإنارة، وغيرها. وقد اشتهرت قرية الخويلدية بالطين الخويلدي الذي يستخرج منها بكميات كبيرة ويصدّر منها للخارج والذي كان يستعمل بعد خلطة مع صفار البيض لإزالة قشرة الرأس قبل أن يعرف الشامبو كما اشتهرت قرية القديح بالطين القديحي الأبيض حيث كان يستعمل لغسل الملابس قبل انتشار الصابون.

الجزافة

شكل البحر بالنسبة للقطيفيين مورد دخل رئيسي فقد كان نصفهم تقريباً يعملون في البحر لوفرة وتنوع الثروة السمكية. لذا برع الأهالي في صيد الأسماك بالرغم من الاعتماد على وسائل صيد تقليدية. وهي تجارة السمك والروبيان حيث يقوم شخص بالاتفاق مع بعض نواخذة البحر بأن يقوم ببيع ما يصطادونه مقابل نسبة معينة أو أنه يشتري كل ما يصطادونه بنسب معينة. وللبحر موارد أخرى غير استخراج المحار وصيد الأسماك، فهناك الملح الذي يحصلون عليه من أماكن معينة عندما تجف المياه على الأرض الساحلية.

الطواشة

يقصد بالطواشة مهنة استخراج اللؤلؤ من البحر والمتاجرة به. وهي مهنة تقليدية اشتهرت بها دول الخليج وكانت مصدر رزق أساسي لهم خلال القرون الماضية. والطّواش هو تاجر اللؤلؤ الذي يتنقل بين سفن الغوص في مواقع صيد الأسماك لاستخراج اللؤلؤ من أعماق البحار، أو بين نواخذة الغوص بعد عودتهم.

 صنع السِلال

تصنع السلال من أغصان شجرة الرمان والعنب وأعواد الخيزران ومنها سلال الملابس التي تصنع من أعواد الخيزران ويلون بعضها بأصباغ مختلفة وتتكون من قطعتين وهي القاعدة حيث توضع الملابس بداخلها والأخرى الغطاء بالإضافة إلى تاج يوضح فوق الغطاء، متصلاً به وتستخدم هذه السِلال لحفظ ونقل الملابس ومنها نقل الملابس العروس إلى بيت زوجها وكان النساء هم معظم من يمارس هذه المهنة.

المسجن

وهو شخص قوي البنية يقوم بتقطيع جذوع النخل بواسطة القدوم للاستفادة منها في تسقيف البيوت والمساجد وعمل مطاعم للأبقار والمواشي (والمطعم عبارة عن عمل فتحة كبيرة في جذع النخلة لوضع التمور والأعلاف بداخلها)، وعمل الهاون، المخصص لطحن الحبوب بكميات صغيرة وتسقيف القبور، كما يستخدم وقود للتنور. ويستغل المسجن النخيل التي تسقط بسبب الرياح أو التعمد بإسقاطها لعدم إثمارها أو لإصلاح الأرض وتنظيم ريها.


النداف
هو من يقوم بصنع فرش النوم والأغطية والمساند ومراتب الجلوس وقد كانت الأدوات التي يستخدمها النداف قديماً بسيطة ويدوية ولم يستخدم فيه الآلة على الإطلاق وغالباً ما يستخدم نفس القطن القديم الذي يعمل على تجديده بتنجيده بالآلة البسيطة ليكون صالحاً للاستعمال مرة أخرى.

الحدادة

تعنى هذه المهنة بتصنيع القدوم والصخين والأبواب والمناجل والمسامير وغير ذلك من الأدوات الحديدية، وذلك من خلال أدوات بسيطة كالمطارق، الجلبات، السندال، الفحم. أما عملية التصنيع فتتم كالتالي: يوضع الحديد على النار ويترك حتى يحمر ثم يمغط ويعاد إلى النار. ثم يرفع لينظف ويطرق وإذا كانت الأداة تحتاج إلى ترقيق أو إلى أسنان فيسحل بالمبرد الحديدي وبعدها يسكب عليه الماء.

 الخبز

ظهرت مهنة الخبز بدايةً في القطيف كعمل منزلي يهدف إلى سد حاجة العائلة فقط. فكانت النساء تعد الخبز بواسطة التنور أو صفيحة التاوه ثم تحوّل الأمر في ما بعد إلى مهنة مستقلة خارج المنزل تفرّغ لها الرجال في الأفران، حيث راحوا يصنعون خبز الدبل أي مقدار قرصين في قرص واحد. كما صار يوضع السمسم على الخبز وتتم زخرفته باليد أو عبر مشط فيه مسامير ليشكل ثقوب تنتفخ بعد دخول الرغيف إلى الفرن.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى