النشرةبارزشؤون اقتصادية

أكبر إنكماش إقتصادي منذ عقدين يُدخل السعودية في نفق مظلم

لا شك أن جائحة كورونا سببت أزمات إقتصادية في مختلف دول العالم، إلا أن السعودية تستّرت بالجائحة لتبرير أزمتها الآخذة بالإستعار في الأصل، وبالتالي بررت إقدامها على الإستدانة الخارجية وفرض ضرائب جديدة وتقليص دعم المواطنين لمواجهة الجائحة،،،

مرآة الجزيرة

دخل الإقتصاد السعودي المتعثّر منذ سنوات في نفقٍ مظلمٍ لم تظهر نهايته بعد. أزمة إقتصادية مستعرة يمكن تتبع آثارها بدءاً من تقليص ميزانيات الوزارت العامة وصولاً إلى ثقب جيب المواطن، ومردّ ذلك بطبيعة الحال إلى إختلال بنية الإقتصاد السعودي ما يجعلها عرضة للأزمات بصورة مستمرة، فيما أدت العوامل المستجدة، أي جائحة كورونا وحرب النفط مع روسيا، إلى تسريع وتيرة الأزمة بشكل حاد.

نكسة أسعار النفط الحالية شكلت وثبة كبيرة في الإنكماش الإقتصادي الذي تمر فيه السعودية، خاصة أن خفض الإنتاج النفطي تزامن مع إجراءات الإغلاق الإحترازية بسبب جائحة كورونا وسط توقعات وكالة “بلومبرغ” بأن “انهيار أسعار الذهب الأسود (النفط) وأزمة كورونا يتركان اقتصاد المملكة يواجه أعمق انكماش في عقدين”.

صحيح أن هبوط سعر البرميل الواحد إلى 20 دولار لا يسبب خسائر فادحة للسعودية بيد أنه حال من مد خزينة الدولة بعائدات مالية تطمح لها الرياض لتنويع إقتصادها. بمعنى أوضح كان من المفترض أن يأتي أكثر من 60 بالمئة من إيرادات المملكة هذا العام من مبيعات النفط وهي عائدات كان سيتم استثمارها في دعم ميزانيات مشاريع غير نفطية. ووفقاً لمؤسسة فيتش الدولية للتصنيف الإئتماني، تحتاج السعودية إلى ارتفاع أسعار النفط لتبلغ 91 دولاراً للبرميل الواحد في عام 2020، وذلك حتى تتمكن من موازنة ميزانيتها. أدى هذا الهبوط عقب حرب النفط مع روسيا، إلى حرمان البلاد من عائدات متوقعة جرى التعويل عليها للشروع في مشاريع صناعية وإستثمارية. مفاد ذلك أن عائدات النفط في السعودية ليست رئيسية فحسب، بل متجذرة بإقتصادها ذلك أن أي اهتزاز في أسعار النفط من شأنه أن يهز أركان البلاد. وبالتالي انتهى انحدار أسعار النفط وانعكاساته التي أصابت العمق الإقتصادي، إلى دفن رؤية 2030 القاضية بتقليص ارتباط اقتصاد بلاده بالنفط، والتي قال بها محمد بن سلمان يوم أخذه الحماس “نستطيع أن نعيش في 2020 من دون نفط”.

ملامح الأزمة الإقتصادية

تتجه المديونية العامة للمملكة نحو أرقام قياسية غير مسبوقة، ما دفعها إلى خفض جزئي لميزانيات الإدارات والوزارات الحكومية بنسبة 5 بالمئة أي ما يوازي 13.2 مليار دولار وفق ما أعلنه وزير المالية محمد الجدعان، مع العلم أن الإقتراح الذي وضع قيد التداول بين الوزاء تراوح بين 20 و 30 بالمئة، لمواجهة الإنحفاض الكبير في أسعار النفط، وتأثيره السلبي على موازنة المملكة، بحسب ما كشفته وكالة “رويترز” في آذار/ مارس الفائت. ثم تبع هذه الإجراءات قرار زيادة الضرائب، فقد أعلن الجدعان أن بلاده ستقترض 220 مليار ريال (58 مليار دولار) خلال العام الحالي. وبحسب بيانات صادرة عن البنك الدولي تبيّن أن مديونية الرياض الخارجية فقط، وصلت في نهاية العام الماضي (2019) إلى مستوى الـ183.7 مليار دولار، فيما كانت في العام 2014 عند مستوى الـ11.8 مليار دولار فقط، لتتضاعف الديون إذاً، أكثر من 16 مرة خلال السنوات الخمس الماضية.

يمكن تحسّس عمق الأزمة الإقتصادية أيضاً في رفع نسبة ضريبة القيمة المضافة من 5 بالمئة إلى 15 بالمئة على جميع السلع والخدمات الخاضعة لها في الأسواق التجارية في السعودية، وقد أصبح القرار نافذاً مع مطلع يونيو/ تموز الحالي. كما لجأت السعودية إلى خفض الرواتب والمخصصات الوظيفية، لتجاوز الأزمة الحالية. مؤشر آخر على معاناة الإقتصاد السعودي اقتفى أثره موقع “بلومبيرغ نيوز” في تقرير أعده ماثيو مارتن جاء فيه إن الاندماج بين البنوك الكبيرة دليل معاناة الاقتصاد السعودي من مشاكل. يوضح ماثيو كلامه بالقول أنه في عام 1999 حين شهدت السعودية اندماجاً بين مصرفين هما مجموعة سامبا المالية وبنك أمريكي “كانت أسعار النفط تتعافى من تراجع كبير وكانت المملكة وسط ركود عميق إذ تجاوز فيها العجز بالميزانية حجم الإقتصاد”.

لا شك أن جائحة كورونا سببت أزمات إقتصادية في مختلف دول العالم، إلا أن السعودية تستّرت بالجائحة لتبرير أزمتها الآخذة بالإستعار في الأصل، وبالتالي بررت إقدامها على الإستدانة الخارجية وفرض ضرائب جديدة وتقليص دعم المواطنين لمواجهة الجائحة، مع العلم أن أعداد الإصابات لا تزال في مسارها التصاعدي وقد سجلت المملكة حتى لحظة كتابة هذا التقرير أكثر من 200 ألف إصابة فيما بقيت لفترة طويلة في مقدمة الدول العربية من حيث عدد الإصابات.

غرابة المنطق السعودي بالتعامل مع الأزمات يزيد من ضبابية المشهد القادم، ويجعل كل تقديرات الرياض وإجراءاتها الحالية غير مجدية، في بلد يتعامل مع الورم الإقتصادي الخبيث بتضميد الأطراف دون أن يشرع في إستئصاله. مرض الرياض يكمن في ارتهانها السياسي للإدارة الأمريكية ما يدخلها في حالة استنزاف دائمة من قبل واشنطن المستعدة للمضي قدماً في عصر الرياض حتى آخر قطرة نفط. بات من الضروري أن تتنازل المملكة لقراءة الواقع بجدية وبالتالي إعادة النظر بالسياسات الداخلية والخارجية، أي محاربة جدية للفساد وهدر المال العام، ترشيد الإنفاق العسكري والإنسحاب من دول المنطقة التي تفتعل فيها الحروب والإضطرابات وفي مقدمتها اليمن.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى