الرئيسية - النشرة - انتفاضة المحرم المجيدة..الثورة لا تموت

انتفاضة المحرم المجيدة..الثورة لا تموت

مرآة الجزيرة

ثورة، انتفاضة، تحرك شعبي، بل هبّة أمة بأكملها على الظلم والاستبداد، استبداد حاكته السلطات السعودية ضد أهالي “القطيف والأحساء” منذ بدايات سطوتها على المنطقة، بهدف منعهم من الشعور بالحياة واضطهادهم بشكل يبتعد كل البعد عن الحياة الإنسانية بجوانبها المعقولة. قبل 41 عاماً، وصلت ممارسات آل سعود بحق أبناء المنطقة إلى حد الإنفجار، فانتفض القطيفيون والأحسائيون بوجه الظلم المستشري، ليخطوا بدمائهم ثورة نابعة من ثورة إمامهم الحسين (ع)، ورسموا بالأحمر القاني انتفاضة المحرم المجيدة، انتفاضة أسست بمختلف فصولها لحراك مطلبي سلمي عام 2011.

قبل 41 عاماً، انتفض أهالي المنطقة الشرقية على الظلم والاضطهاد المتأجج، وقالوا كلمة الحق أمام السلطان الجائر، الذي آلمهم منذ بدء سطوته على الحكم والبلاد والعباد، خرجت تحركات شعبية كانت نتيجة الشعور بالقهر والاضطهاد والظلم، وتفجرت عبر الصرخات المتعالية بوجه الحرمان والإهمال والتهميش الذي فرض على المنطقة، الآلاف من الرجال والنساء ثاروا على سلطات النظام السعودي، ورفضوا سياسة التهميش والتمييز بحقهم، وانطلقوا من تأكيد أن الحق يؤخذ بالقوة ولا يستجدى من الظالمين.

تعود الذاكرة إلى ليلة السادس من محرم الحرام حين قرّر خطباء الحسينيات وأبرزهم الشيخ حسن الصفار والسيد مرتضى القزويني تحدي الحظر الرسمي المفروض على ممارسة الشعائر الدينية والحسينية، وبعد الاستماع إلى المجلس العاشورائي في المساجد والحسينيّات، شجّع الخطباء حينها الثورة على الظلم مستفيدين من مفاهيم عاشوراء الحسين “ع” للقضاء على الظلم والاضطهاد، وخرج المعزون إلى شوارع البلدات في تظاهرات حاشدة، كان سلاحها القبضات المرفوعة والصوت الحسيني الثائر والمطالب بنصرة المظلوم ورفض الظلم الواقع على أبناء المنطقة.
في تلك الليلة استطاعت التظاهرات الجماهيرية الحاشدة، كسر الحظر السلطوي على إحياء الشعائر، فلم تجد السلطة سوى الرصاص حلا سريعا لمواجهة الأهالي، ودفعت بجنود الحرس الوطني إلى الساحات والشوارع ما أدى لمواجهات بين قوات الحرس المزوّدة بالهراوات والرشاشات وقنابل الغاز، وبين جماهير الشعب الأعزل الذي خلت أيديه من أي سلاح، لكنه أبى الإنكسار والتراجع، واستمر بالمسيرات، فاستخدمت القوات ضده الهراوات، ورد المتظاهرون بالحجارة والأخشاب والإشتباك بالأيدي، فصعدت قوات الحرس مستخدمة قنابل الدخان، والغاز المسيل للدموع، فألقيت مئات القنابل واستغل الحرس هذه الفرصة فراح يضرب بكل ما لديه من وحشية…واستمر المشهد الثوري لأيام متتالية.

قمع تقاومه عزيمة أهالي القطيف والأحساء

استخدمت عناصر الأمن الهراوات والرشاشات وقنابل الغاز، لقمع المسيرات، إلا أنها لم تتمكن من ذلك، واستمر الأهالي بإحياء شعائرهم طيلة أيام المحرم، ومع حلول اليوم السابع من عاشوراء، سير الأهالي مواكب تقليدية، وسط انتشار عدد كبير من الجنود. وعمّت التظاهرات والمسيرات مختلف أحياء البلدات، بمشاركة 70 ألف مواطن، من كافة الفئات العمرية، ارتفعت الهتافات المطلبية المستلهمة من ثورة الامام الحسين”ع”، هتافات لم تحتملها السلطة وعناصرها المنتشرة على الأرض، فأعطت الضوء الأخضر لقوات الحرس الوطني باستخدام كل الأسلحة المتاحة لديهم لقمع التظاهرات، ودفعت بمئات الجنود المدججين بالسلاح إلى الساحات لمواجهة الأهالي، وحينها، بدأ الرصاص الحي يصوّب في كل الاتجاهات، لإخماد المسيرات وإسكات صوت الشعارات، التي كانت تتمحور حول إنهاء التمييز الطائفي وإنهاء التمييز.

على امتداد أيام نزفت القطيف والأحساء وارتوت أرضها مع سقوط الشهداء، ومن السادس حتى التاسع من المحرم تواصلت المسيرات المطلبية، رغم فتح عناصر الحرس الوطني النار على الجموع الآتية من مختلف بلدات وقرى “القطيف والأحساء”، وفي الليلة التاسعة، ارتقى الشهيد سعيد عيسى مدن ابن مدينة صفوى، بالرصاص الحي، مع سقوط شهيد أشتعلت نيران الثورة والغضب في نفوس الأهالي، الذين خرجوا من صفوى والمناطق المحيطة حتى تاروت وسنابس لتشييع الشهيد.

نحو 24 ألف شخص من أهالي المنطقة خرجوا للمشاركة في التشييع، تحركوا من الشارع الرئيسي في القطيف واتجهوا نحو مركز الشرطة، حيث كان يحتشد الجنود، عند ذلك المشهد، طلب أحد ضباط السلطة الجماهير التي صممت على الانتقام لدم شهيدها بالتراجع، فردت عليه بوابل من الحجارة والزجاجات الفارغة، ومع تصاعد المواجهات الدموية، أصر الأهالي على رفع الشعارات الثورية والخروج تنديداً بالتمييز والسياسة الطائفية السلطوية المتبعة.

لكن المشهد ازداد عصفاً، حيث رفعت عناصر السلطة منسوب العنف والرد بالرصاص على رفع التكبيرات والهتافات، وبدأ الرصاص يحصد الأرواح، وارتقى نحو 20 شهيداً فيما أصيب أكثر من 100 من المتضاهرين بجروح، وحتى اليوم، لا يزال يتردد أسماء الشهداء “حسن القلاف، سعيد عيسى مدن، حسن علي صليل، حسين العلقم، فيصل الجامد، حسن علي كريم الإبراهيم، حسين السادة، مكي علي الدخيل، عبدالكريم حماد، مالك عبدالرزاق، الحاج علي الشمروخ، عبدالوهاب عواد، سلمان علي رهين، محمد قنبر آل قنبر، إبراهيم رضي الخباز، سعيد الزاهر، علي المعلم، والشهيدة فاطمة آل غريب..بدماء هذه الثلة أُرّخت انتفاضة عام 1400 للهجرة”.

الانتفاضة المجيدة الفريدة في شكلها وأثرها، حملت الكثير من المطالب، ورفعت شعارات واضحة الأهداف تضمنت رفع الظلم وإنهاء التهميش وإطلاق سراح المعتقلين السياسين، والكفّ عن سياسة الطغيان والحرمان، والتمييز الطائفي، وردد المتظاهرون شعارات “المساجين في أعناق الجميع، لا سنية لا شيعية… وحدة وحدة إسلامية، لا شرقية ولا غربية ثورة ثورة إسلامية، دين النبي واحد ما في تفرقة، الموت لآل سعود، الموت لأمريكا”.. شعارات وهتافات زرعت في نفوس الأهالي مقارعة الظلم ورفض الذل، شعارات كانت قد تكررت خلال حراك فبراير 2011 في القطيف، الذي رسم معادلة جديدة في رفض الظلم والطغيان المفروض من قبل السلطات السعودية على أهالي القطيف والأحساء، الذين يقارعون الظلم بكافة أكاله ومستوياته.

ترسخ السنوات والذكرى، تأكيد أن الحراك المطلبي والثورة على الظلم والطغيان لم يكن حراك طائش منذ العام 1400 هـ-1979م، بل كان حراكاً مؤثراً وفاعلاً من أجل كسر جور الطغيان والظلم والاستبداد ومقارعة الإمعان في التنكيل، الذي تبلورت معانيه أيضاً في حراك القطيف 2011م، حراك استلهم بذوره من الانتفاضة المجيدة لأبناء المنطقة، لتثبت أن الثورة لا يمكن أن تنضب رغم أنها تخفت ببعض الأحيان بفعل القمع الهمجي القائم على استخدام الموت كآلة للإخماد، غير أن الثورة لا يمكن أن تتوقف مهما اشتدت قوة السلاح والإرهاب والترهيب والقمع المتواصل.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك